مقالات الظهيرة

عابد سيداحمد يكتب…. إنهم لايتعظون !!

عندما توفى الموسيقار الكبير محمد الامين فى فرجينيا تفاجأ الفنان د. عبدالقادر سالم بام درمان بشاب انيق يندفع تجاهه ويحتضنه وهو يبكى بٱعلى صوته وينوح ويردد (ياالله يا دكتور ود الامين مات).

و من (شدة ) بكائه وجد د. عبد القادر نفسه يبكى مثله وبعد انتهاء العويل الطويل ينسحب الشاب ويكفف د. عبد القادر دموعه و(يتلفت ) حوله فيسمع من يقول له يادكتور راجع جيوبك.

فقد شك احد المارة من من شاهد ماجرى فى الشاب وعندما تحسس د. عبد القادر جيوبه اتضح له أن الشاب المعزى قد سرق هاتفه ومابالجيوب.

الشئ الذى جعل د. عبد القادر فى ليلة رحيل الفنان محمد ميرغني التى أعقبت رحيل محمد الامين يتحاشى (المقالدة) و يتحسس جيوبه كل مرة بعد أن فقد الثقة فى المعزين.

فالشاب لم يراع الظروف التى يعيشها الهرم الفنى الكبير فى ظل الحرب ولم يخفه الموت (بالدانات ) الذى يحيط به هناك أو يتعظ ومارس فعلته هذه مع فناننا الكبير و بأساليب وفنون جديدة ..

وفى طريقنا من الخرطوم إلى ودمدنى فى الأيام الاولى للحرب وجدنا شباب القرى يقطعون الطريق فى كل قرية ليقدموا للفارين من جحيم الحرب بالخرطوم الماء والعصير والوجباب فى اصرار عجيب وتحت وهج الشمس..

و بالقطع إن لم يقولوا شيئا حاليا فإن لسان حالهم يقول لقد قدمنا السبت وطال انتظارنا للاحد فى محنتنا الحالية بوقوف الكل معنا فى وجه تنكيل المليشيا بنا.

المهم عندما وصل كثير من أهل الخرطوم إلى ودمدنى وقرى الجزيرة ارض المحنة بحثا عن الأمان بعد تشريدهم قسرا من بيوتهم وجدوا ترحاب وكرم كبيرين هناك واقتسمت كثير من الأسر معهم اللقمة والمأوى فى مشهد تمثل فيه قول شاعرنا اسماعيل حسن :

يبدو الغير على ذاتم

يقسموا اللقمة بيناتم

ويدوا الزاد حتى إن كان مصيرم جوع

إلا أنه فى ذات الوقت برز بعض ضعاف النفوس من أصحاب العقارات تجار الازمات الذين رفعوا اسعار البيوت والشقق فى مدنى ارتفاعا خرافيا حتى انقلب عليهم الدور

فلم يحققوا الثراء الذى سعوا له من جشعهم ولم يسجلوا موقفا مشرفا كان بالامكان أن يحمد لهم ويجزيهم عليه الله خيرا فى تعويضهم بأفضل وابرك

وهكذا عندما سقطت ودمدنى برز تجار الازمات من أصحاب المركبات الذين كانوا ينقلون المنكوبين إلى المدن الامنة بعشرة أضعاف السعر المناسب والذين أعماهم الجشع عن حقيقة.

أن أغلب المنكوبين كانوا أصحاب سيارات وبيوت فقدوها فى لحظات وان استغلالهم الذى تم ومستمر حاليا لكل الفارين من مناطق الحرب للمدن الامنة أمر لا اخلاقى

وفى بورتسودان جعل تجار الازمات الحصول على مسكن بمبلغ معقول من المستحيلات كما قفزوا بأسعار السلع عاليا فى الأسواق حتى صار طلب الفول يمد لسانه ساخرا من جيوب الفقراء أما الدواء فقد تضاعف سعره اربع مرات واكثر

وبرغم الحرب وتداعياتها الأليمة على حياة الناس ماتزال الخدمات فى كثير من المؤسسات تحتاج إلى واسطة أو أن تدخل يدك فى جيبك لتدفع لتمر بسرعه

وهؤلاء ينسون ان الذين اكتنزوا الذهب قد فقدوه فى الحرب فى رمشة عين ومن جمعوا المال بالصاح اوالغلط قد نهب أمام أعينهم ومن امتطوا السيارات الفخمة جدا ولم يتخيلوا إنهم سينزلون منها نزلوا مرغمين وفقدوها ومن امتلكوا العمارات الشاهقة اخرجوا منها صاغرين

وظلت قحت بلا خجل تسند المليشيا وتبارك مايجرى من مجازر وانتهاك علنا أو تلميحا ولا تنفض يدها برغم الممارسات اللانسانية والبشعة التى تمارسها المليشيا ضد الشعب الذى قدمهم يوما ليحكموه فباعوا دم الشهداء.

واجهضوا احلام ثورة الشباب والان يقفون مع الموت والدمار بحلم أن يعودوا ليحكموا الشعب الذين هم شركاء فى كل ماجرى ويجرى له من تعذيب وتشريد وانتهاكات فى ابشع صورها.

ومهما تنوعت الصور والمشاهد والمواقف خلال الحرب هنا وهناك مشكلة المحزن والمشرق فإنها جميعها شكلت دروسا مهمه للشعب.

وبرغم مساوئ تجار الازمات وضعاف النفوس واللصوص إلا ان الحرب كشفت لنا معادن الناس وعرفتنا من باع وطنه وأهله ومن خذلنا فيهم وكنا نحسن الظن ومن ومن ومن.

وعلمتنا الكثير وبالتاكيد عندما تنتهى ستشكل ميلاد سودان جديد سياسيا واجتماعيا واقتصاديا بوعى وفهم مختلفين عن قبل الحرب وخلالها هذا ما تقوله الوقائع وتؤكده المؤشرات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى