مقالات الظهيرة

د. خالد يوسف بكرى يكتب… صراع التنشئة

من بين أهم الخاصيات التي تميز مجتمعاتنا وضع قواعد اجتماعية، فالتنشئة الاجتماعية التي يتلقاها الفرد منذ نعومة اظفاره.

ما هي إلا ضوابط داخلية، توجهه و ترشده وتقيده بضرورة الخضوع للمجتمع؛ فمن خلال التنشئة الاجتماعية يتعلم الفرد ضوابط السلوك.

حسنه وقبيحه، فيتصرف بالطريقة التي تضمن له تحقيق تفاعل ايجابي مع غيره، وبالتالي فعملية الضبط الاجتماعي تمثل الأساس الذي يضمن للفرد توافقه مع مجتمعه، ولوجوده وتكيفه مع الآخرين.

* فالتنشئة الاجتماعية؛ حصيلة عمليات اجتماعية متعددة؛ وتعتبر عملية التعلم الاجتماعي من بين أهم و أبرز تلكم العمليات.

و التي يكتسب منها الفرد عادات و سلوكيات و قيم مجتمعه، ويبني تصوره لعالمه وواقعه.

* وعند الحديث عن التنشئة الاجتماعية لابد من ذكر الأسرة، فالأسرة ليست أساس وجود المجتمع بما تؤديه من وظيفة بيولوجية فحسب.

بل هي”مصدر الأخلاق، والدعامة الأولى لضبط السلوك، والإطار الذي يتلقى فيه الفرد أول دروس الحياة الاجتماعية.

* ذلك لأن الأسرة هي العامل الأول في عملية التنشئة الاجتماعية، على أساس أن التنشئة الاجتماعية عملية تعلم وتعليم وتربية تقوم على التفاعل الاجتماعي.

وتهدف إلى إكساب الفرد سلوكا ومعايير واتجاهات مناسبة، وأدوارا اجتماعية معينة تمكنه من مسايرة الحياة الاجتماعية.

* فإذا لم تُنّم الأسرة في أفرادها هذا التفـاعل الإيجابي مع المجتمع من خلال تهذيب سلوكهم وإكسابهم مهارات التواصل البناء مع أنفسهم أولا، ومع أفراد المجتمع ثانيا، نشأ في المجتمع جيل ذو عقلية تسلطية إقصائية لا تحسن إلا أسلوب التسلط الفكري والعنف الجسدي.

* إذا لابد من تشكيل السلوك الاجتماعي للفرد من حيث المعايير والمهارات والاتجاهات والسلوك بما يتوافق مع قيم المجتمع وضوابط.

وأن تهدف التنشئة الاجتماعية إلى تربية الأفراد تربية قائمة على عبودية الله وتعزيز المقومات الشخصية والذاتية.

 

بحيث تسود المجتمع فضائل التكافل والتعاون والشورى، جنبًا إلى جنب مع تعزيز الانتماء إلى الأمة وتجنب الانقياد اللامسؤول والاستهتار، بالإضافة إلى بناء التصورات والأفكار الاجتماعية المشتركة التي تصب في مصلحة المجتمع.

 

وحث الأسرة على تأمين جو أسري صحي وسليم لتنشئة الأطفال.
* ومجتمعنا المسلم يواجه اليوم موجة (التفكك الأسري) الذي نتج عنه قائمة طويلة من المشكلات في المجتمع مثل: سلوكيات سوء التوافق المدرسي، وتزايد انحراف المراهقين والمراهقات، وتزايد نسبة تعاطي الخمور والمخدرات.

وشيوع سلوك السرقة، وتكاثر الأمراض النفسية الناتجة عن تهدم الأسرة، وغير ذلك كثير من المشكلات التي يصعب حصرها.

* كما يواجه المجتمع معضلة صراع الأدوار، والتي يقصد بها التنافس بين الزوج والزوجة لأخذ كل منهما مكان الآخر.

وإن كان من الزوجة أظهر وأوضح خصوصاً لدى كثير من الملتحقات بأعمال خارج المنزل، حيث تسعى إلى أن تكون هي ربان سفينة الأسرة.

 

وهذا خلاف الفطرة التي قررها الله -سبحانه وتعالى – (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء) ويترتب على هذا حصول النزاعات المتكررة على كل صغيرة وكبيرة في أمور الحياة الزوجية، مما يمهد الطريق لحصول التفكك الأسري.

 

* وتؤكد عدة دراسات نفسية على الأثر السلبي لصراع الأدوار على استقرار الأسرة وقيامها بواجباتها نحو أفرادها.

 

* هناك صراع آخر يواجه مجتمعنا إلا وهو موجه الثورة الاتصالات، والتي تعتبر سبباً من أسباب التفكك الأسري في المجتمعات المعاصرة.

على الرغم مما يمكن أن يكون لها من إيجابيات، أهمها: تسهيل كثير من أمور الحياة، إلا أن سلبياتها كثيرة.

حيث أفرط الكثير منا في التعامل معها، فبدلاً من أن يُقضى معها جزء من وقت الفراغ، أخذت كثيراً من أوقات الأفراد.

 

مما أخل بواجباتهم الأخرى نحو أسرهم فالتلفاز يأخذ من كثير من الأفراد كل الفترة المسائية بل ويمتد مع بعضهم إلى الصباح.

مما يعيق قيامهم بمسؤولياتهم الأسرية. يضاف إلى ذلك المحتوى الهزيل بل والضار الذي يقم في البرامج خصوصاً الفضائية منها.

 

حيث أصبحت مرتعاً لكل من هب ودب دون رقيب أو رادع أو خلق أو نظام.

فأصبحت الإثارة هي الهدف والغاية لجلب أكبر عدد ممكن من المشاهدين.

 

* والضحية هي الأسرة التي تنشب بينها الخلافات نتيجة التعلق بما يعرض، أو عدم القيام بالواجبات المطلوب من الفرد القيام بها.

 

* والإنترنت أو شبكة المعلومات العالمية أحدث وسائل الاتصال التي دخلت على الأسرة في الفترة الأخيرة.

 

وهي وإن كان لها إيجابيات عديدة، إلا أن سلبياتها طغت على إيجابياتها من خلال عدم حسن تعامل أفراد الأسرة مع هذه الخدمة.

 

خصوصاً كثير من الأزواج والأبناء، حيث ظهر ما عرف بإدمان الإنترنت.

حيث يقضي الكثير منهم جل وقته قبل وأثناء وبعد العمل أمام جهاز الهاتف أو الكمبيوتر مبحراً في عوالم هذه الشبكة.

* وفي السنوات الخمس الأخيرة قام عدد من الباحثين
بدراسات على مستخدمي الإنترنت كان من أبرز نتائجها تناقص التواصل الأسري بين أفراد الأسرة.

وتضاؤل شعور الفرد بالمساندة الاجتماعية من جانب المقربين له، وتناقص المؤشرات الدالة على التوافق النفسي والصحة النفسية.

وهذا نتائج يتوقع أن ينتج عنها خلافات وتفكك داخل الأسر التي تعاني من إسراف بعض أفرادها في استخدام شبكة الإنترنت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى